يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
194
النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه
هذا باب ما ينتصب من المصادر توكيدا لما قبله وهو قولك : هو عبد اللّه حقّا ، وهذا عبد اللّه لا الباطل ، وهذا زيد غير ما تقول . اعلم أن " حقّا " وما بعده مصادر والناصب لها فعل قبلها يؤكد الجملة وذلك الفعل أحق أو ما جرى مجراه ، وذلك أنك إذا قلت : هذا عبد اللّه جاز أن يكون كلامك قد جرى على يقين منك وتحقيق وجاز أن يكون على شك . فإذا قلت " حقّا " أكدت وبينت . وإذا قال : " الحق لا الباطل " فالباطل عطف على الحق " بلا " وإذا قال هذا زيد أقول : غير ما تقول ، فكأنه قال : هذا زيد قولا غير ما تقول ، فجعل قول المخاطب باطلا وحقق قوله . فكأنه قال : أقول الحق . ومثله في الاستفهام : أجدك لا تفعل كذا وكذا . وأصله من الجد . كأنه قال : أجد ، غير أنه لا يستعمل إلا مضافا حتى يعلم من صاحب الجد ، فيجري في لزوم الإضافة مجرى لبيك ومعاذ اللّه . وهذا باب يكون فيه المصدر توكيدا لنفسه . وذلك قولك : له عليّ ألف درهم عرفا ، ومثل ذلك قول الأحوص : * أصبحت أمنحك الصدود وإنني * قسما إليك مع الصدود لأميل " 1 " يخاطب بهذا البيت منزل محبوبته ، وكان يعرض عنه ويتجنبه لئلا يفطن له . واعلم أن الفرق بين هذا الباب والذي قبله ، أن الباب الأول توكيد لما قبله ، وهذا توكيد لنفسه . فإذا قلت : هذا عبد اللّه حقّا . فقولك : هذا عبد اللّه - من قبل أن تذكر حقا - يجوز أن يظن ما قلته حقا وأن يظن باطلا ، فتأتي ب " حقّا " لتجعل الجملة مقصورة على أحد الوجهين المختلفين عند السامع . وقولك : له عليّ ألف درهم ، وهو اعتراف منك حقّا كان أو باطلا ، فصار هذا توكيدا لنفسه إذ كان الذي ظهر فيه هو الاعتراف . وسمى سيبويه - أيضا - الباب الأول توكيدا عاما ؛ لأنه سمي هذا توكيدا لنفسه من حيث كان توكيد الاعتراف الذي هو معنى الكلام الظاهر ، وهو لفظ اختصاص ، فجعل الآخر عاما . وأنشد لرؤبة : * إن نزارا أصبحت نزارا * دعوة أبرار دعوا أبرارا " 2 " ومعناه أن نزارا وهو أبو ربيعة ومضر ، لما وقع بين ربيعة ومضر تباين وحرب بالبصرة
--> ( 1 ) ديوان الأحوص 153 ، شرح الأعلم 1 / 190 ، شرح النحاس 161 ، شرح السيرافي 3 / 177 . ( 2 ) شرح الأعلم 1 / 191 ، شرح السيرافي 3 / 180 ، شرح المفصل 1 / 117 .